أبو الليث السمرقندي

174

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

واحدة إِلَّا إِبْلِيسَ أبى عن السجود اسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ يعني : وصار من الكافرين قالَ يا إِبْلِيسُ ما منعك يعني : يا خبيث ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ يعني : الذي خلقته بيدي قال بعضهم نؤمن بهذه الآية ونقرؤها ، ولا نعرف تفسيرها . يعني : قوله : بِيَدَيَّ يعني : الذي خلقت بيدي . وقال بعضهم : تفسيرها كما قال اللّه تعالى : خَلَقْتُ بِيَدَيَّ . ولا نفسر اليد . ونقول : يد لا كالأيدي . وهذا قول أهل السنة والجماعة . وقال بعضهم : نفسرها بما يليق من صفات اللّه تعالى . يعني : خلقه بقدرته ، وقوته ، وإرادته . فإن قيل : قد خلق اللّه عز وجل سائر الأشياء بقوته ، وقدرته ، وإرادته . فما الفائدة في التخصيص هنا ؟ قيل له : قد ذكر اليد في خلق سائر الأشياء أيضا ، وهو قوله : أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً [ يس : 71 ] ويقال : لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أي : بقوتي . قوة العلم ، وقوة القدرة . ويقال : خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أي : بماء السماء ، وتراب الأرض ، كقوله : آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ [ آل عمران : 59 ] وكما قال - عليه السلام - : « خلق اللّه تعالى الخلق من ماء » وروي عن عبد اللّه بن مسعود أنه قال : أنزل القرآن على سبعة أحرف لكل حرف منها ظهر وبطن . وكذلك الأخبار قد جاء فيها أيضا ما له ظهر وبطن . وروي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « لا تقولوا فلان قبيح فإن اللّه عز وجل خلق آدم على صورته » . ومن قال : إن للّه تعالى صورة كصورة آدم فهو كافر ، ولكن المعنى في الخبر ، كما روي عن بعض المتقدمين أنه قال : إن اللّه تبارك وتعالى اختار من الصور صورة ، وخلق آدم - عليه السلام - بتلك الصورة ، فمن ذلك قال : « إنّ اللّه تعالى خلق آدم على صورته » ، أي : على تلك الصورة التي اختارها اللّه . روى شبل عن ابن كثير أنه قرأ : بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ موصولة الألف ، وقراءة العامة بقطع الألف على الاستفهام ، بدليل قوله عز وجل : أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ ومن قرأ موصولة ، فهو على معنى الوجوب . وتكون أَمْ بمعنى بل ، أَسْتَكْبَرْتَ يعني : تعظمت عن السجود أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ يعني : بل كنت من العالين ، من المخالفين لأمري . قالَ إبليس : أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ . قوله عز وجل : قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ وقد ذكرناه من قبل قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ يقال : معناه قولي الحق . وأقول : الحق . قرأ حمزة وعاصم فَالْحَقُّ بالضم القاف . وقرأ الباقون ، واتفقوا في الثاني أنه بالنصب . فمن قرأ بالضم فمعناه : أنا الحق ، والحق أقول . ويقال : فمعناه : فالحق مني ، والحق أقول . ويقال : معناه فقولنا الحق ، وأقول الحق لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ ومن قرأ بالنصب فهو على معنى الإغراء . يعني : الزموا الحق ، واتبعوا الحق .